بقلم الأخ مخايل مغامس الكبُّوشي |
| العيشُ في حضرَة الله |
لقد اختار فرنسيس العيشَ في حضرَة الله. عاش أمام الله في حالة طواعيَّة مُطلَقة له ولِتدبيره الخلاصي. لقد سمَّى فرنسيس حضور الله الذي هو نور وطمأنينة وحبُّ ودافعٌ للشهادة ولحياة تُعاش بالإيمان، سَمَّاه "الرُّوح القدُس". فالرُّوح هو الذي يستقِرُّ في الانسان ويُعطيه التأكيد بأنَّه ينتَمي لله كإبنٍ له. في الواقع علاقة يسوع بالله تبقى فريدة من نوعِها ولا شبيه لها: إنَّها علاقة كاملة، حميمة، مُتبادلة وهي بالتالي مُشارَكٌ بها. إنسانيَّة يسوع هدفها في الواقع هو إدخال الانسان في علاقة بنويَّة مع الله وهنا يَكمُن عَمَلُ الرُّوح القدُس. لقد كان فرنسيس مُتيَقِّنًا من نيله، بواسطة إيمانه بالمسيح، الرُّوح البَنَوي الذي يُشرِكُه بعلاقة يسوع الحميمة مع الله الآب. فالرُّوح نفسه، كما يقول مار بولُس في رسالته إلى أهل روما، يَشفَعُ بالإنسان ويقوده لِتتميم النصيب الأفضل من ذاته (التبرير والتمجيد). |
| الرُّوح القدس في كتابات مار فرنسيس
|
الرُّوحُ القُدُسُ مَوجودٌ، في كِتاباتِ فرنسيسَ، حَيثُ يُذْكَرُ سِرُّ اللهِ: إِنَّهُ يُشارِكُ في كُلِّ الأَعمالِ الإِلَهيَّةِ، ويَسكُبُ بَرَكَتَهُ في كُلِّ مَكانٍ، وهوَ وحدَهُ يَكشِفُ الاِبنَ والآبَ، ويُمَكِّنُنا مِنَ الاِعتِرافِ بِأَنَّ يَسوعَ هوَ الرَّبُّ، ومِنَ الحُصولِ عَلى جَسَدِ يَسوعَ ودَمِهِ، روحيّاً. بالنِّسبةِ إِلى فرنسيس، مَعرِفَةُ سِرِّ اللهِ هيَ دائِرِيَّةٌ: الآبُ، الَّذي لا يَقدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدعوَهُ، يَكشِفُهُ الاِبنُ لَنا، وبِدَورِهِ يَكشِفُ الرُّوحُ الاِبن. وفي اعتِقادِ فرنسيسَ، أَنَّ هَذا هوَ الطَّريقُ الَّذي يَقودُنا إلى مَعرِفَةِ الله. |
| أهميَّة الرُّوح القدس لِعَيش حياة روحيَّة
|
الصلاة التي توجد في ختام الرِّسالة إلى كل الرَّهبنة، تساعدنا على فَهم كم أنَّ فرنسيس قد أعطى أهميَّة للرُّوح القدس لكي يعيش حياة روحيَّة مسيحيَّة صادقة: "أَيُّها الإِلَهُ الكُلِّيُّ القُدْرَةِ، الأَزَلِيُّ، العادِلُ، الرَّحيمُ، أَعْطِنا، نَحْنُ البائِسينَ، أَنْ نَعْمَلَ مِنْ أَجْلِكَ، ما نَعْرِفُ أَنَّكَ تُريدُهُ، وَأَنْ نُريدَ، دائِماً، ما يُرْضيكَ؛ لِكَيْ نَسْتَطيعَ، بَعْدَ أَنْ نَكونَ قَدْ تَطَهَّرْنا داخِلِيّاً، وَاستَنَرْنا داخِلِيّاً، وَاضْطَرَمْنا بِنارِ الرُّوحِ القُدُسِ، أَنْ نَقْتَفِيَ آثارَ ابنِكَ الحَبيبِ، رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ؛ وَلِكَيْ نَصِلَ إِلَيْكَ، أَيُّها العَلِيُّ، بِنِعْمَتِكَ وَحْدَها، أَنتَ يا مَنْ في الثَّالوثِ الكامِلِ، وَبالوَحْدَةِ البَسيطَةِ، تَحيا، وتَمْلِكُ، وتُمَجَّدُ، إِلَهاً كُلِّيَّ القُدْرَةِ، إِلى دَهْرِ الدُّهورِ، آمين"(ختام الرسالة إلى الرهبنة 50-52). |
| نَصِلَ إلَيكَ أيُّها العليّ
|
هذه الصلاة تُظهر بُنية الخبرة الرُّوحيَّة المسيحيَّة، إنَّها خبرة تَجِدُ اكتِمالَها وتحقيقَها بأن "نصِلَ إليك أيُّها العلي". كَتَبَ فرنسيس هذه الصلاة في سنين حياتة الأخيرة (1224…) في ختام رسالَته الطويلة إلى إخوته في الرَّهبنة وذلك أثناء مرَضِه. بالنِّسبة لفرنسيس، إنَّ التَّحقيق التَّام للحياة المسيحيَّة يَكمُنُ في أن نعيشَ الإتِّحاد بالَّله. بهذا تَكمُن مشيئةُ الَّله: "نعمل من أجلكَ، ما نعرف انَّك تُريده، وأن نُريد، دائمًا، ما يرضيك." بالنِّسبة لفرنسيس، إنَّ عيش إرادة الله تتطابَق مع عيشِ كلّ لحظة من حياتنا ووجودِنا في حَضرَةِ الَّله العليّ، "يا من في الثَّالوث الكامل، وبالوحدة البسيطة، تحيا، وتملك، وتُمَجَّد إلهًا كُلِّي القدرة إلى دهر الدَّهور. آمين". |
| حبُّ الله الذي يُحدِث تحويلاً
|
لكي يصلَ فرنسيس إلى الإتِّحاد بالّله لَم يلجأ إلى الرُّوحانيَّة الّتي تَستنِدُ على عملٍ إرادِيّ بحت، أو جهدٍ شخصِي لتحقيق ذلك، لكنَّه كان يقول: «نصلُ إليكَ أيُّها العَلي بفضلِ نِعمتِك وحدها». الرُّوح القدُس هو تلك النِّعمة. إنَّه يحلٌّ في المؤمنين "أمَّا أنتُم فَلَستُم تَحيَونَ في الجسَد، بل في الرُّوح، لأنَّ روحَ الله حالٌّ فيكُم" (روما: 8/9) ويَجعَلُ منهم هيكَلاً له "أَوَما تَعلَمونَ أنَّ أجسادَكُم هيكَلُ الرُّوح القدس، وهوَ فيكُم قد نلتُموه من الله" (1قور:6/19). هوَ روح العِبادة، إنَّه يَمنَحُ المؤمن القدرة على أن "يعبُدَ الآب بالرُّوح والحقّ" (يو:4/23-24). فرنسيس يُسمِّيه "روحَ الصَّلاةِ المُقَدَّسَةِ وَالتَّقْوى، الَّذي يَتَعَيَّنُ عَلى سائِرِ الأُمورِ الزَّمَنِيَّةِ أَنْ تَخْدِمَـه" (2قانون:5/2). إنَّه حبُّ الّله الذي يُحدِثُ تحويلاً بالذي يبحَثُ عن إرادةِ الّله ويَجعَلُ مِنهُ ابنَ الّله. |