الليترجيا في حياة فرنسيس الأسيزي
إن مجلة أل Time Magazine الصادرة 1992 أعلَنت فرنسيس واحد من الرِّجال الأكثر تمثيًلا وحضورًا في الألفيَّة الثانية: إصدارات علميَّة كثيرة كُتِبَت عنه، أفلام متنوِّعة حول حياته وروحانيَّته، البابا يوحنَّا بولُس الثاني إختار مدينته أسيزي لحدثٍ تاريخي بارز في 27 تشرين الأول 1986 لقاء الأديان للصلاة من أجل السلام. تبعَ هذا اللقاء لقاءات أخرى على مثاله سنة 1993 وسنة 2002 بعد أحداث 11 أيلول 2001. حتى أنَّ اسمَ فرنسيس إختلط مع مفهوم الحوار ما بين الثقافات والأديان المتنوِّعة. نظرًا لأهميَّة هذا القديس ما زالَ أشخاص كثيرون يُحاولون التعمُّق بشخصيَّته مرتكزين على مصادر مُختلفة: كتاباته وما كُتب عنه وقيلَ فيه: تنشئته الثقافيَّة والروحيَّة التي نَتَج عنها معرفة أنَّه ابنُ تاجِر، طامح للفروسيَّة، يتمتَّع باللياقة التي تحلّى بها حتَّى بعد اهتدائه، تأثير الإنجيل على مسيرته وأيضًا التراث الروحي من آباء الصحراء... كلُّ هذا لا يَعني أنَّ فرنسيس أصبح معروفًا كُليًّا. فرنسيس يبقى سرّ... كما كلِّ إنسان. سَنحاول أن نتعرّف في هذا اللقاء على دور الليتورجيّا في حياته كي نكتشف بشكلٍ أعمق أبعاد جديدة في حياته.
حقبة إصلاح ليتورجي
العصر الذي عاش فيه فرنسيس هو عصر تغَيُّرات وتحوُّلات ثقافيَّة كبيرة: تطوّر نظام البلديَّات، نشوء الجامعات، تشجيع التبادل التِّجاري، ظهور متطلِّبات دينيَّة جديدة أدَّت إلى هرطقات. كل هذه النواحي يَجِب أن تؤخَذ بِعين الاعتبار عندما نتكلَّم عن الإطار التاريخي وعن حياة فرنسيس. يبدو أن الناحيَّة الليتورجيَّا لم يَتِمّ التطرُّق إليها كثيرًا في الدراسات التي تمَّت. على هذا الصعيد نرى أنَّ تاريخ الليتورجيّا أدخلَ عليه البابا إينوشنسيوس الثالث إصلاحًا عرف رواجًا بفضل الإخوة الأصاغِر.
في بداية القرن الثالث عشَر، كان يوجد في روما 4 ليتورجيَّات: ليتورجيَّة الكوريا الرومانيَّة، ليتورجيَّة بازيليك القديس يوحنَّا، ليتورجيَّة بازيليك القديس بطرس وليتورجيَّة مدينة روما. خلال المجمع اللاتراني الرَّابع 1215 لَم يُهمل البابا إينوشنسيوس برنامج إصلاح الليتورجيَّا. كانت نتيجته إصدار "كتاب صلاة الفرض" Le Bréviaire . ذلك ليُصبِح بمقدور مَن يسافر أن يكون لديه الصلوات والنصوص التي تُصلِّيها الكوريا الرومانيَّة. هذا الكتاب، بفضل سهولة إستعماله، تبنَّته رعايا كثيرة ومن بينها رعيَّة وأبرشيَة أسيزي. لاحقًا يبدو أن فرنسيس وإخوته استعانوا بهذا الكتاب لأنَّه يتطابَق مع وَضعهم كحُجَّاج ومسافرين. بذلك كان الاخوة الأصاغر إذن يتلون صلاة الفرض الروماني، صلاة الحبر الأعظَم.
المسألة ليسَت مسألة صلاة
إنَّ تبَّني كتاب الفرض الرّوماني من قِبَل فرنسيس يعني أكثر بكثير من مسألة تلاوة صلاة. إنَّه يَعني أنَّ فرنسيس يقبل ويتبنّى كلَّ التقليد الكنسي الموجود في إصلاح البابا إينوشنسيوس. هذا الكتاب يُحدَّد الأعياد المختلِفة، يحدَّد النصوص المختارة للقراءة، تجميع وتنسيق آيات من الكتاب المقدَّس للأنتيفونات والرَّدَّات، وجود قراءات متنوِّعة من آباء الكنيسة ومن تفكير التقليد الكنسي للألف الأوَّل. إذن، إنَّ تبنِّي فرنسيس والاخوة الأصاغر لهذا الكتاب يُدخِلُهم في تواصل مع تاريخ الكنيسة طيلة الألف الأوَّل. هذا لا يعني أنَّ فرنسيس كان أسير التقليد فهو عرَف كيفَ يبُثُّ روحًا يُميِّزه في هذه الصلوات. إنَّ مُمارسة فرنسيس وإخوته لصلاة الفرض الروماني سيظهر أثرُه في كلامهم وصلواتهم العفويَّة وروحانيَّتهم. إن كان طغى على المحلِّلين والمؤرِّخين أن فرنسيس هو رجُل الإنجيل فقط غير أن الصلاة الليتورجيّا كانت هي النبع الأوَّل لِتعرُّف فرنسيس على الإنجيل والكتاب المقدَّس. هذا يُفهمنا أنّ تعمُّق فرنسيس بالكتاب المقدس والاستشهاد به لم يكن أمرًا مباشرًا لا بَل مرَّ عبر وسيط وهذا الوسيط هو الليتورجيَّا، وبالتالي عرف فرنسيسُ الإنجيل كما تُريده الكنيسة. فالليتورجيَّا بحدِّ ذاتِها هي شَرحٌ للكتاب المقدَّس. يَكفي أن تُسنَد قراءَة ما إلى عيد دون سواه حتى نَفهم مفتاح قراءة النَّص. مثلاً نرى في الفرض المخصَّص لمَريم العذراء قراءة مأخوذة من سفر أشعيا الفصل 11 حيثُ يُحكى عن غُصنٍِ سَيَخرُج من جذع يَسَّى. هذا يُفهِمنا مباشَرة أنَّ الفصل 11 من أشعيا لهُ بُعدٌ مريَمي.
الفرض الفرنسيسي:
أهميَّة الليتورجيَّا في الأُخوَّة الفرنسيسيَّة وفي حياة القديس فرنسيس الأسيزي نجدها ليسَ فقَط في قانون الإخوة الأصاغر المُثَبَّت من البابا هونوريوس الثالث سنة 1223 لكن أيضًا وفي نوعٍ خاص في مخطوط محفوظٍ كذخيرة بين الذخائر في دير القديسة كلارا في أسيزي. هذا المخطوط، كما تُشير كتابة للأخ لاوون الذي كان من أقرب المقرَّبين إلى فرنسيس، إستَعمله فرنسيس بذاته: إنَّ الطوباوي فرنسيس أعطى هذا المخطوط إلى الأخ آنج والأخ لاوون رفيقَيه لأنَّه حين لَم يَعد باستطاعته قراءة الفرض بسَبب مرضه كان يَرغب في أن يسمَعَهُ مُتلًى بصوت عالٍ."هذا المخطوط المُسمَّى "فرض القديس فرنسيس" يتألَّف من:
- كتاب الفرض. Bréviaire
- المزامير. Psautier
- الإنجيل. Evangéliaire
الجزء الأوَّل الأكثر أهميَّة مأخوذٌ من الكوريا الرومانيَّة المُصلَحة من البابا إينوشنسيوس الثالث. يؤكِّد ذلِك قراءات تقرأ في الأعياد تعود إلى البابا عينِه.
إذن، من المؤكَّد أنَّ فرنسيس إستعمل هذا الكُتيِّب الذي يحوي النصوص الأصليَّة التي كان يُصلِّيها البابا والكوريا الرومانيَّة. إستعمال كتاب الفرض الإلهي هذا ساهَم بالتأكيد في ثقافة فرنسيس اللاهوتيَّة حتَّى وإن كانت ابتدائيَّة وليس جامعيَّة. لقد سمَحت له أن يُعبِّرَ عن روحانيَّته وفكره في كتاباته. هذا يعني أنَّه علينا أن نعطي لليتورجيّا أهميتها ودورها في فهم روحانيَّة فرنسيس. يكفي أن نقارن فكر فرنسيس المريمي في كتاباته مع فرض مَريم العذراء في كتاب الفرض الروماني المخصَّص لخدمة مريم العذراء في أربع مناسبات: تقدمة يسوع للهيكل، البشارة، إلانتقال في 15 آب وميلاد مريم في 8 ايلول حتى نرى تأثير كتاب الفرض على فكر ولاهوت فرنسيس.
كتاب الفرض الخاص بفرنسيس، فهم الأخ لاوون أهميَّته وأعطاه للأخت كلارا التي حفظته ويبدو أنَّه استُعمِل لفترة محدَّدة ككتاب ليتورجي إلى أن حُفِظَ في ما بَعد كذخيرة بين الذخائر الموجودة في دير القديسة كلارا بأسيزي وبإمكاننا مشاهدته في أيَّامنا هذه.
فرنسيس والكنيسة
علاقة فرنسيس بالكنيسة هي من أكثر المواضيع التي أثيرت عبر الدراسات التي أجريت من قِبَل المؤرِّخين. بعضهم يُشير إلى فرنسيس الثائر على الكنيسة والبعض الآخر إلى فرنسيس الطائع لها لأنَّه اختار عيش حياته كأخٍ أصغَر. غير أنَّ الاعتبار الذي يتكلَّم عن أهميَّة الليتورجيَّا في حياة فرنسيس يساعِدُنا على فَهم أفضَل لعلاقته بالكنيسة. فرنسيس تأقلم بشكل دينامي مع التاريخ الذي سَبَقه والذي يُعبَّر عنه في عبارات ليتورجيَّة محدَّدة وواضحة. إنَّ تأمله وصلاته للنصوص القديمة والتي هي تعبير عن حياة وقداسة الكنيسة عبر القرون، أصبَحَت لفرنسيس مكان للشركة مع تاريخ الخلاص. من هنا موقفه الحازم من الاخوة الذين لا يُريدون تلاوة الفرض الروماني كما يقول في الوصيَّة 29-33. هذا الموقف الحازِم مردَّه إلى أنَّ رفض تلاوة الفرض يعني الابتعاد عن الإيمان القويم. الطريقة التي صلَّى من خلالها فرنسيس هي تَعبيرٌ واضِح عن إيمانه الكاثوليكي الذي كانت صلاة الفرض الإلهي والصلاة الليتورجيَّة الرومانيَّة ضمانة رسميَّة له.
|