رسالة الميلاد لخادم شبه الإقليم الأخ طانيوس رزق الكبُّوشي

ها إني أبشّركم بفرح عظيم... وُلِدَ  لكم اليوم مخلّص (لو، 2/11)

كل شيء في المسيح كبير بالنسبة لقدرتنا على الفهم والانبهار، بالرغم من انه صار بشراً (يو، 1/14) وشبيهاً بنا في كل شيء ما عدا الخطيئة (الرسالة الى العبرانيين، 4/15). ولكن تأنَّس المسيح يحمل معه معنى السر والمفاجأة: لماذا صار واحداً منّا، هو الذي فوق جميعنا ؟ في اللحظة التي يقترب فيها منّا نشعر انه يتخطانا بلا نهاية ويحتجب في داخلنا. ونتساءل: هل الميلاد يكشف لنا المسيح اكثر من حجبه عنّا ؟ انها ميزة سر الله عندما ينفتح على الانسان.
ليتورجية الميلاد نفسها تنبهنا الى استحالة وصف مجيء المسيح بيننا وتحاول، من خلال الاحتفالات الثلاثة بالافخارستيا، ان تجعلنا نتذوق وجهاً من الاوجه الكثيرة لسر التجسد اللامتناهي.

طفلٌ مُقمَّطٌ مُضجَعٌ في مذود

القديس لوقا (2/1-20) يصف ميلاد الرب يسوع بكلام مختصر ومتواضع. ميلاده يندرج  في المسار الطبيعي للزمن والأحداث. مخلص العالم اتى الى العالم في ظروف عادية: طفل مُقمَّط مُضجع في مذود. تناقضاً مع هذا المسار الطبيعي للأحداث، يوجد وهج النور السماوي وظهور ملاك الرب الذي اخبر الرعاة بما حدث في تلك الليلة. ما يلفت في رواية القديس  لوقا هو تقبّل واستعداد الرعاة لبشارة الملاك: هلمَّ بنا نذهب الى بيت لحم، فنرى ما حدث. وذهبوا فوجدوا مريم ويوسف والطفل مُضجعاً في المذود (2/16). لم يتشككوا من رؤية مخلص العالم في هذا الفقر والتواضع. وكنتيجة لهذا الاستعداد، انفجر في الرعاة معنى الفرح لاكتشافهم الكبير والحاجة لإعطائه للآخرين: ولما رأوا ذلك جعلوا يُخبرون بما قيل لهم في ذلك الطفل (2/17).

إنَّه الميلاد

انه الميلاد الذي بدأ مسيرته الكبيرة في العالم: رعاة فقراء وبُسطاء يعلنون للبشر الحدث الذي قلب التاريخ رأساً على عقب.
رواية القديس لوقا تضعنا امام نوعين من استقبال الميلاد: العذراء مريم والرعاة.
- مريم آمنت (لو، 1/45)، وعاشت، منذ تلك اللحظة، في البُعد الايماني، لذلك كانت تحفظ جميع هذه الامور، وتتأملها في قلبها (2/19)، وكانت تغوص عميقاً في امور الله وكانت على اتّم الاستعداد للسجود.

- اما الرعاة فيرسمون لنا مسيرة الايمان. لقد سمعوا البُشرى وٍقرروا الذهاب الى بيت لحم. قرارهم الداخلي تُرجمَ عملياً: جاؤوا مسرعين (2/16). رأوا وآمنوا ومن ذلك الاكتشاف وُلد لديهم الاندفاع للشهادة: ولما رأوا ذلك جعلوا يُخبرون بما قيل لهم في ذلك الطفل (2/17). هكذا بدأ الايمان بالانتشار؛ مؤمنون يولدون من مؤمنين: فجميع الذين سمعوا الرعاة تعجَّبوا مما قالوا لهم.

 

لِنَذهَب إلى بيتَ لَحم
boule Couronne Etoile Berger

 هذه المسيرة الايمانية الفريدة تعنينا نحن ايضاً: القرار بالذهاب الى بيت لحم: لنذهب الى بيت لحم، قال الرعاة بعضهم لبعض. ونحن ايضاً، في هذا الميلاد، لنقل بعضنا لبعض: لنذهب، أو بالأحرى، لنَعُد الى بيت لحم! لنعُد الى البساطة والى طهارة ونقاوة تلك الليلة؛ لنكتشف، من جديد، المهد (المذود) حيث وُلدنا. قد نكون ابتعدنا قليلاً عن بيت لحم لأسباب  عدة ومختلفة. وقد يكون ايماننا غارق في تحاليل معقدة وربما متنافرة مع مشهد "الطفل في المذود".

بركة وسلام

فرنسيس الأسيزي، الذي تاق بكل قواه ان يرى بأعين الجسد المسيح كما وُلدَ، مضجع في مذود، ونائم على التبن، والذي ارادَ ان يستذكر ما عاناه ذلك الطفل من لحظة مولده، اُعطي له ان يحقق رغبته. فرنسيس قادر ان يبعث فينا ذاك التوقان وتلك الرغبة. فلنضرع الى الله كي يهبنا هذه النعمة.

واخيراً انتهز هذه المناسبة لأتمنى للجميع اعياداً مباركة وسنة جديدة ملؤها النجاح والسلام والبركة