من العنف إلى السلام: أمنيتُنا للعام 2007
نَعيشُ في مُجتَمَعٍ تتجلّى فيه المنافسة على السُّلطة وعلى المعرفة وعلى التملُّك؛ مجتَمَعٍ تتآكلُه المزاحَمة والعدائيَّة والعنف وهي تُمارَس بأشكالٍ مُتقَنة ومدروسة. كلَّ يومٍ تُطالِعُنا وسائلُ الإعلام بأخبارٍ وبرامِج غير سَليمة وتُعوِّدُنا على حالة غير طبيعيَّة من العنف والقهر. فالعُنف يَلبَسُ أشكالاً متنوِّعة: ثقافيَّة، وسياسيَّة، وأيديولوجيَّة، ودينيَّة، وإقتصاديَّة، ودعائيَّة واستهلاكيَّة، وقضائيَّة، وتربويَّة... إلخ. مُجتَمَعٌ يَجرح الآخرين ليس فقط بالإسلحة بل بالكلمات النابية والتصرَّفات التافهة والسَّخيفة والإدِّعاءات الباطلة. مُجتَمعٌ يتعدَّى على الحقوق الأكثر شرعيَّة كالعيش والعمل والبيت والمأكل والعائلة. كما ويتعدَّى أيضًا على الحقوق الأخلاقيَّة كالاحترام وهتكُ الحُرمة والإحساس والحميميَّة والمشاعر الأكثر خصوصيَّة.
فرنسيس الأسيزي لم يكُن عالِم إجتماع ولا صاحب نظريَّات في مسألة العنف ومعضلة المجتمَع. لقد كان مسيحيًّا مُقتنِعًا ومُنسَجِمًا زرَعَ إيمانًا حيًّا في قلب واقع مُجتَمَعه ومن دون أن يَنغَمِسَ في السياسة. إستقلاليَّته وعفويَّته ما كانتا لِتخضَعا أبدًا لأي نظريَّة قادرة على رهنِ ورَبط الحريَّة. أراد أن يكون متميِّزًا في المجتمَع الذي عاش فيه لكِن لم يَكُن ضدَّ النِّظام؛ في حريَّته لَم يكُن فوضويًّا؛ في صراحته لم يكُن مُتعنِّتًا؛ في عفويَّته لَم يكُن غير مُتمدِّن. لقد وَضَع فرنسيس كلَّ حريَّته وكلَّ إبداعه، كلَّ قلبه وكلَّ روحِه في خدمة السَّلام الذي كان مُستحيلاً في بيئة مُمَزَّقة بالكثير من النزاعات والتوتُّرات والعدائيَّة، وعرَف وعاش مأساة عصره. "خروجُه من العالَم" كان بمثابة قفزَة نوعيَّة نحو نمَط جديد من الحياة ومن العيش ومن الإحساس كي يقدر أن يُطعِّمَ العالَم، مع روح متجدِّد وبراءة متجدِّدة، بتلك البراءة التي يجِدها كلّ مسيحي في التوبة والاهتداء. توبته الإنجيليَّة هذه لم تجعَل فرنسيس غير مُبالٍ لمشاكل زَمَنه ولم يِبقى حياديًّا أمام المعضلات الأساسيَّة لمعاصريه. فمن دون تحليل أو بكاء على الحالة المنحرِفة لِمُجتَمَعِه، ركَّز على وَضع الأشخاص بحِّد ذاتِهم: البابا، الأمبراطور، الأساقفة، البُرص، اللصوص، الفقراء...إلخ. لَم يُرخي العنان لنحيب الأنبياء الكذبة ولم يُضخِم المأساة كما يفعل السياسيُّون المصلحجيُّون؛ لَم يحوِّل إلى قصة رومنطقيَّة وتلفزيونيَّة ودراماتيكيَّة مأساة الآخرين كما يفعل الروائيُّون والكتَّاب وأيضًا لَم ينسحِب من المجتمع كما يفعل المحبطون الخائفون. لقد حمل إليهم بُشرى الأُخوَّة والسلام والانسجام والرَّجاء. فبالنسبة لفرنسيس السلاَّم هو واجِبٌ وضرورة ينبع من الإيمان الحي ومن الرَّغبة القويَّة في التمتُّع بهذه العطيَّة المسيحانيَّة الكبرى |